كلمة مخيفة لنا كأطفال كبار…
عندما كنا صغار، لطالما طلب منا أن نمسك بأيدي من هم أكبر منا، نمسك بيدهم بشدة في الشارع، في الأسواق، في الزحام… حتى لا نتوه، كنا نخاف أن تتركنا قبضتهم فنضيع و كانو هم أيضا أكثر خوفا منا فيمسكون أيادينا الصغيرة بعنف تارة و يرخونها أحيانا دون أن يشعرون عندما يندهشون.
كان أكثرنا خوفًا هو أكثر من يشد بقوة على يد ممسكه، هو أكثر من تفزعه الأصوات المرتفعة، الأضواء الساطعة، الناس الغريبة… و لكن غالبًا أكثرنا خوفًا هو من كان يتوه في الزحام، كأنها حكمة ربانية، أو قانون كوني، تحدث دوما الأشياء السيئة للخائفين حتى يتشجعون، و حتى يرخي قبضة أيديهم المسيطرون…
كانت تلك اليد التي نمسكها رمزًا للأمان، لكنها أيضًا كانت قيدًا خفيًا يمنعنا من اختبار جمال الحياة. كنا نعتقد أن الأمان هو أن نتماهى مع ما يلقن لنا و نتبع طريق من سبقنا، لكن دوما ستفلت اليد رغما عنا و عنها ، و سنختبر التجربة وحدنا أحببنا أم كرهنا.
ربما تلك “الحكمة الربانية” أرادت أن تعلمنا أن لا أحد يستطيع أن يمنعنا من الضياع تمامًا، وأن اليد التي نتمسك بها و نظنها الملاذ قد تكون وسيلة عبور، لكنها ليست ضمانًا للوصول، هي نفسها قد تكون ما يمنعنا من الوصول.
ومهما حاولنا أن لا نتوه، ومهما حاولنا أن لا تغرينا الأضواء والروائح والأصوات، إلا أننا في لحظة ما نفلت من يد من يمسك بنا رغمًا عنا و عنه، حتى نختبر المجهول الذي قد يكون رائعًا كما قد يكون سرابًا، لا ندري، لكننا في ذاك التيه جربنا ذلك الشعور بالاختلاف، بالحرية، ربما بالجنون، إخترنا ما يمكن أن نكونه دون رقابة و دون قيود.
اللحظة التي نفلت فيها ليست دائمًا قرارًا واعيًا، و لا شريرا ، ولا خططنا له مسبقا، أحيانًا تحدث صدفة: يدٌ تنزلق، نور ينطفيء، أو قلب يندفع. لكن تلك اللحظة الصغيرة قادرة على أن تعيد تعريفنا بأنفسنا، وكأننا نولد من جديد وسط العالم المجنون.
المجهول ليس عدوًا كما قيل لنا دائمًا، بل مساحة اختبار. قد نجد فيه ماءً يروينا، أو سرابًا يعلمنا قيمة العطش. وفي الحالتين، نكون كبرنا بضع سنين.
وعندما نعود ليد ممسكنا، فربما قد يعاقبنا أو يعاتبنا، لأنه خائف مسكين، لكنه لا يعلم كم أن هذا التيه جعلنا نكبر ألاف السنين ، ليس لشيء ولكن لأننا اختبرنا الشعور…
العتاب أو العقاب ليس إلا ضريبة التجربة. لكن العمر الحقيقي لا يُقاس بالسنين بل بقدرتنا على أن نغامر ونعود، أو ربما لا نعود ، المهم مدى عمق الشعور الذي اختبرنا في هذا الضياع الذي قد يكون في ظاهره ضياع لكن في عمقه ، أصدق ما في الوجود.
التيه هدية مقنّعة، نظنها ألم ثم تصير بعثا من العدم. والذين لم يتوهوا يومًا، ربما يعيشون بأمان، لكنهم يبقون صغارًا في أعماقهم مهما كبرت أعمارهم.
يوجد أكثر من 480 نوع من المشاعر، لكن أغلب البشر لا يجرب سوى 6 منها، فهم إما يشعرون بالحزن، أو الغضب، أو الخوف، أو الاشمئزاز، أو المفاجأة، أو الفرح اللحظي.
أن تحصر نفسك في ستة مشاعر فقط يشبه أن تأكل من مائدة عامرة طبقًا واحدًا وتظن أنك شبعت. العالم الداخلي أوسع من ذلك بكثير، وفيه ألوان من الأحاسيس تنتظر من يجرؤ على تذوقها.
عيش الشعور لا يعني أن نلاحقه قسرًا، بل أن نسمح لأنفسنا أن نكون أحياء بما يكفي لنشعر به عندما يعبر. أن نرحّب بالرهبة، بالامتنان، بالسكينة، بالوله، بالدهشة… كلها تعابير عن إنسانيتنا المليئة بالتناقض والجمال.
عمرك لا يقاس بالسنوات التي عشتها ولكن بمختلف المشاعر التي جربتها. هل عمرك 6 مشاعر؟ أم أكثر من 400 شعور… ؟
قد تعيش أربعين سنة في دائرة ضيقة وتظن أنك حكيم، بينما يعيش آخر عشر سنوات مليئة بالتجارب والمشاعر فيكون عمره أوسع وأعمق منك. ليس الزمن هو المقياس، بل كثافة التجربة.
فاسأل نفسك: هل أنت ممن يكررون نفس اليوم ألف مرة، أم ممن يملؤون أيامهم بألف لون مختلف من الحياة؟